عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

260

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 83 ] وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 ) « تلك » إشارة إلى الدّلائل المتقدّمة من قوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ [ الأنعام : 75 ] إلى قوله : وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 79 ] . وقيل : إشارة إلى القوم لمّا خوّفوه بأنّ آلهتهم تخبله لأجل شتمه إيّاها ، فقال لهم : أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتم على الشرك باللّه ، وسوّيتم في العبادة بين خالق العالم ومدبّره ، وبين الخشب المنحوت . وقيل : إشارة إلى الكلّ . ويجوز في « حجّتنا » وجهان : أحدهما : أن يكون خبر المبتدأ ، وفي « آتيناها » حينئذ وجهان : أحدهما : أنه في محلّ نصب على الحال ، والعامل فيها معنى الإشارة ، ويدلّ على ذلك التّصريح بوقوع الحال في نظيرتها . كقوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً [ النمل : 52 ] . والثاني : أنّه في محلّ رفع على أنه خبر ثان أخبر عنها بخبرين ، أحدهما مفرد ، والآخر جملة . والثّاني من الوجهين الأوّلين : أن تكون « حجّتنا » بدلا أو بيانا ل « تلك » ، والخبر الجملة الفعلية . وقال الحوفي : « إن الجملة من « آتيناها » في موضع النعت ل « حجّتنا » على نيّة الانفصال ؛ إذ التقدير : حجّة لنا » يعني الانفصال من الإضافة ليحصل التنكير المسوّغ لوقوع الجملة صفة ل « حجتنا » وهذا لا ينبغي أن يقال . وقال أيضا : إنّ « إبراهيم » مفعول ثان ل « آتيناها » ، والمفعول الأول هو « هاء » ، وقد تقدّم في أوّل البقرة ، فإنّ هذا مذهب السّهيليّ عند قوله : آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ البقرة : 53 ] . وأنّ مذهب الجمهور أن تجعل الأول ما كان عاقلا ، والثاني غيره ، ولا يبالي بتقديم ولا تأخير . فصل في الدلالة في الآية قوله : « آتَيْناها إِبْراهِيمَ » يدلّ على أنّ تلك الحجّة إنما حصلت لإبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - بإيتاء اللّه وإظهاره تلك الحجّة في عقله ، وذلك يدلّ على أنّ الإيمان والكفر لا يحصلان إلّا بخلق اللّه تعالى ، ويؤكده قوله : « نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ » فإن المراد أنه - تعالى - رفع درجات إبراهيم بسبب أنه - تعالى - أتاه تلك الحجّة . ولو كان حصول العلم بتلك الحجة من قبل إبراهيم لا من قبل اللّه تعالى ، لكان إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - هو الذي رفع درجات نفسه .